الذكرى الـ 39 لتأسيس الحر تكشف المستور

خميس, 09/03/2017 - 09:26
حمين سيدي امعيبس

خلال الترتيب لصياغة هذه المعالجة وضعت العديد من نقاط الاستفهام حول هذه الحركة التي كانت الانطلاقة الأولي لشرارة النضال الإنعتاقي للعبيد الموريتانيين من مختلف أنحاء موريتانيا العظيمة، بحثت في أرشيفي الخاص عن خيوط تسمح بالخوض في موضوع معقد كموضوع هذه الحركة، وجدت أن العديد ممن تناولوها أو تناولتهم رغما عنهم وضعوا الحركة ضمن يافطة التحرر من نار العبودية دون أن يكلفهم البحث عناء وضعها في سياق  كانت تحمل من خلاله مشروعا مجتمعي متعدد الأبعاد أجهضته المنظومة الإقطاعية وداست عليه بأقدام العبيد أنفسهم، فتشكل حركة الحر وتأسيسها لم يكن أمرا هينا كما يقع اليوم خلال قيام العديد من الجمعيات و الأحزاب التي تري النور من خلال وضع ملف بسيط لدي السلطات المختصة بموجبه تحصل علي ترخيص وبدونه تعتبر نفسها مظلومة ومصادرة ومحرومة من حقوقها في وقت تزاول فيه أنشطتها، ففي فترة التشكل الأولي كان الأعضاء المؤسسين لهذه الحركة قادمين من "أدوابة" حيث الحرمان و المصادرة لكن خلفيتهم التعليمية مكنتهم من وضع الأسس الأولي لحراك إنعتاقى يعلن الرفض التام للطبقية المهيمنة حينها بسبب الإمارات التي أسست خريطتها الطبقية ورتبها العرقية "لعبيد، لمعلمين،إكاون،أزناكة،أزاوية و لعرب" و إعادة تشكيل عقليات هذه الطبقات لتتماشي مع توجهاتها، في وقت لم تستطع فيه حركة الحر بسط نفوذها ولا حتي تدريس إستراتيجياتها لمناضليها كما يقع اليوم مع العديد من المناضلين الذين يتم تكييف عقلياتهم مع توجهات حركاتهم وقد يكون ذلك ناتج من كون حركة الحر حركة عفوية جاءت من رحم "أدوابة" ولم تكن تحمل بعدا سياسيا صرفا تسعي من خلاله للوصول للسلطة بقدرما كانت حراكا حقوقيا وهو ما أسس إلي أن العديد من الكتاب حاولوا جاهدين الربط بينها و الفكر اليساري و إن كان في ذلك تشابه فكان بإمكان البعض إطفاء نوعا من الإنعتاقية علي ذلك التوجه ليكون في النهاية خليطا بين الرفض المعلن للممارسات المخلة بكرامة الإنسان وضرورة الاستفادة من خيراته خصوصا أن العبيد في تلك الفترة يشتغلون في الرعي، الزراعة، الري و الأعمال الشاقة المختلفة، و مما يخيف أن جل من تناولوا الحركة شرحا و تفصيلا أسهموا دون إدراكا لذلك في نسيان جزءا معتبرا من تاريخ الحركة وهو أن عملها السري خلال المرحلة الاستثنائية أرغمها علي بعد نفسي مهم تم التعامل معه بصفة إيجابية وهو بعد "أخوك الحراطين"  الذي كان مهما في إثبات أن الحركة ومنظريها قادرين علي المصالحة مع من استعبدوهم ردحا من الزمن ليكونوا إخوتهم في الدين و الوطن مع ضرورة الاعتراف فقط بخصوصية شريحة لحراطين مما يروج لاستبعاد الثأر و القدرة الفائقة للمصالحة و المصارحة، الدولة لم تكن غائبة ولا مغيبة عن ما يقع في الحراك التحرري بل كانت حاضرة و تتكيف مع مطالب هذا المد الإنعتاقي الجارف الذي تراه الإقطاعية مهددا لمصالحها و إستراتيجياتها التوسعية مما قاد اللجنة العسكرية للخلاص الوطني إلي سن قانون إلقاء الرق 5/7/1980 و مرسوم الملكية العقارية عام 1983، و إن كان البعض يري أنه انتصارا للحركة الإنعتاقية إلا أنه يشكل مهدئا مغناطيسيا أربك الحركة و جعلها تدخل في ورطة من أمرها وهو أن القانون و المرسوم المذكورين لم تصاحبهم إرادة سياسية حقيقية تنتشل العبيد و الأرقاء السابقين من ويلات الفقر و التهميش و قد داست كل الأنظمة المتعاقبة علي البلد علي إرادة شعب لحراطين في التحرر من خلال توظيف قياديين حركيين في حركة الحر من أجل القضاء علي الحركة وفكرها و الأمثلة كثيرة ولن نخوض فيها لأن الجميع علي إطلاع بها و يعرف الخوض في فلكها، لكن رغم الخيانة العظماء التي أرتكبها قادة ميدانيين للحركة في حق قضيتهم بقت الجماهير المسترقة في أدوابة و الكبات و الكزرات و أحياء الصفيح مؤمنة بمشروعها و بقدرتها علي الوصول و ترجمة رؤيتها السياسية من خلال قذف العديد من قادة الحر في المجالس البلدية و البرلمان لكن هؤلاء لم يستطيع أي منهم صياغة مشروع سياسي يلامس حياة الفئات المحرومة، وفي خضم الصراع علي النفوذ تم تأسيس إطار سياسي حزبي ضم في صفوفه جل أوجه الحر وهو حزب "العمل من أجل التغيير" الذي حمل شحنة رفض للواقع ترجمتها المواجهات مع السلطة لينتهي المطاف بحل الحزب و مصادرته و الزج به في أمور كانت نتيجتها الوخيمة الانصهار المبكر في أحضان حزب التحالف الشعبي التقدمي القومي المهجور حينها فقد أعاد المد الجارف لحراطين دورة الحياة لهذا الحزب المتهالك حينها، وبدل أن تبقي قضية العبيد العادلة توجها مركزيا و قضية لا مساومة فيها أصبحت القضية الفلسطينية مركزية نتيجة تعاطي التحالف مع خلفيته القومية، وقد حاول العديد من قادة العمل من أجل التغيير التكيف مع الوضع ومحاولة مجاراة السكة و العمل من أجل الثبوت علي المواقف إلا أن الإطاحة بولد الطايع غيرت موازين اللعبة و أدخلت قادة الحر في موجة من الصراع الداخلي بموجبه تم رمي العديد منهم في مستنقع صناعة القرار بحكم التحالفات السياسية التي شكل فيها رصيد الحر قوة ضاربة أثبتت أنها إذا وظفت بصفة جيدة قد تخدم أجندة السياسيين و هو ما وقع بالفعل، حركة الحر رغم موتها كانت الخيط الرابط بين الجيل الأول من المؤسسين و الجيل الثاني من الشباب الإنعتاقيين إلا أن هلوسة القادة و تخريف بعضهم قاده لتفكير في حل حركة الحر كحركة سياسية و اعتبار أنها قامت بالواجب، مما قاد إلي الانقسام الذي تعيش حركات لحراطين اليوم تبعاته و كل يحاول في زاويته الجهوية الضيقة قيادة السفينة ليبقي شعب لحراطين العظيم ضحية المؤامرة التي تحاك ضده لا من طرف النظام الإقطاعي فحسب بل من خلال قادة فعليين في حركات التحرر الإنعتاقي الذين يرمون علنا بثقلهم في الساحة علي أنهم مدافعين حقيقيين عن حقوق العبيد و يبيتون ليلهم في التآمر و التجسس و التلاعب علي حقوق هذه الفئات المحرومة مقابل مزايا ظرفية تتمحور جلها في مكافئات مادية و معنوية تزول بزوال الثقة أو من خلال فضح الأسرار الذي يبدوا أنها الورقة الرابحة لدي السلطة،وفكا لرموز ورمزية الذكري الـ 39 لانبعاث حركة الحر و التظاهرات المخلدة لهذه النشاط المهم فإن القضية لازالت تراوح مكانها و القادة لم تتوفر لديهم الإرادة الفعلية للمصالحة و الانصهار في بوتقة حراك واحد قادر علي ترجمة المشروع المجتمعي لشعب لحراطين علي أرض الواقع ولن أخوض في النسختين من الحر و لا نسختي حزب المستقبل انطلاقا من فهم عميق أن ما تم بناءه بصفة باطلة فهو باطل و أن من يتشدقون اليوم بحماية بيت الحر هم أخطر وباء علي قضية لحراطين حسب التجارب الميدانية خلال قيادتهم لملفات سياسية تلامس حياة هذه الفئات الهشة، ما يجب اليوم أن ينصب عليه التفكير هو توقيف موجة التراشق و الاتهامات المدوية وفتح حوار شامل بخصوصية حرطانية صرفة بعيدا عن المزايدات يتفق فيه القادة مع القاعدة علي وضع أسس مشروع سياسي ثقافي اقتصادي و اجتماعي تتم ترجمته من خلال المجالس البلدية و البرلمان و يسهم في إسماع صوت هذه الفئات بعيدا عن المزايدات السياسية و الخروج من بوتقة الزعيم و القائد و المنظر و المهندس نحو عمل تشاركي تسهم فيه كافة الطاقات الشابة ذات البعد الحقوقي التحرري، و أن نعذر من ارتموا في أحضان النظام و مخططاته و نعتبرهم شركاء لنا لا خصوما لأن الفكر الناضج يؤمن بثقافة الاختلاف، أما من يحملون جوازات سفرهم ويجوبون أنحاء العالم فعلينا اعتبارهم سفراء للقضية ولا نحرمهم من ممارسات هواياتهم.       

بقلم : حمين سيدي أمعيبس

كاتب صحفي/ ناشط حقوقي