حراك لمعلمين.. مسارات التطور ومنعرج التقهقر

ثلاثاء, 03/03/2015 - 11:15
الكاتب محمد يحيى ولد عبد ا لرحمن

إن أي حراك اجتماعي لا بد فيه من إرهاصات تخلّق وتفتّق، ولا بد في مراحله من ترسّل وتدرج، ولكل حراك وقفات وعقبات، ووثبات ومنغّصات، وليس "حراك لمعلمين" بدعا من هذه السنة البشرية، وقد عرف في فترته الوجيزة صدى واسعا بحكم ظرفيته الزمنية التي واكبت العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المنفتح، ولم يكن ليحتاج للكثير من الوقت حتى يتربص به الانتهازيون المتسلقون الذين يتحيّنون الفرص فقط عندما تينع.

 

مسارات التطور:

معروف أنه من سنن الحركات لا بد من أجنحة لا غنى لأي حركة نضالية عنها، وهكذا كان لحراك لمعلمين جناحان إبّان فترة ازدهار القضية وبلوغ أوَجها، ويتمثل جناح الصقور في هذه المرحلة في مؤسس النضال الأول الشيخ ولد بيب الذي يعود له الفضل في تخلّق "حراك لمعلمين" بخرجاته الإعلامية التي عرفت صداها عند الرأي العام، والتي كانت صدامية في كثير من الأحيان، حتى ذاع صيتها ودار حولها النقاش، ويمثل جناح الحمائم في هذه القضية الرجل الثاني في "حراك لمعلمين"؛ الأستاذ أحمد ولد السالم (رئيس منظمة "إنصاف" الحقوقية) والذي له الفضل في أنه كان السبب المباشر في ظاهرة التدوين على الفيسبوك من خلال مقالاته التي كان أولها مقاله الشهير "لمعلمين هل ينتفضون من أجل المطالبة بحقوقهم؟" والسببَ المباشر في ظهور شعار "امعلم وأفتخر" الذي لعب دورا في صدى القضية من على مواقع التواصل الاجتماعي حتى انتبهت وسائل الإعلام لهذا الحراك وبدأت في التعاطي معه، وغير بعيد عن الاثنين كان لمقالات الدكتور محمد ولد محفوظ التأثير الأكبر على مسار القضية لما حملته من معان ثورية، ودلالات نضالية، ومقارعة لعقليات المجتمع وموازينه المهترئة.

 

جهود التوحيد والتنسيق:

لقد ظل تعدد المنظمات والمبادرات ظاهرة تؤرق نشطاء لمعلمين الذين يتطلعون إلى جهد واحد يُحدث الصدى المطلوب من أجل قضية يتقاطع جل مناضليها على نقاطها العريضة، ويزداد القلق كلما طرأت مجموعة تحمل معها عنوانا جديدا دون أن تلتف حول أحد العنوانين اللذين كان لهما الفضل في بلورة هذا النضال حتى استوى على سوقه! وهي مرحلة لم تؤثر سلبا على مسار النضال، وإنما كانت عامل قوة، وكان لكلا الجناحين دورهما البارز في إيصال القضية وتصاعد وتيرة تأثيرها وانتشارها بين القاعدة الاجتماعية المعنية بتجاوز عقدة النقص وبين المجتمع الذي تقارع حججه الواهية التي يتعاطى على أساسها مع شريحة لمعلمين من خلال المؤتمرات الصحفية والمقالات والندوات.

 

رغم ذلك حدثت مساعٍ من كلا الطرفين ومن أطراف أخرى مستقلة لجمع هذه المنظمات ككتلة واحدة، وهو ما لم ينجح كخطوة يتطلع إليها النشطاء، وظل الأمر على ما هو عليه حتى وصلنا إلى مرحلة أخرى انضم فيها وافدون جدد على ساحة "حراك لمعلمين" وذلك بمناسبة تدني أرقامهم على اللوائح الانتخابية في حزب تواصل إبان الانتخابات البلدية والنيابية الماضية؛ أكتوبر 2013.

 

حمل المنضمون الجدد معهم دعوة "الوحدة والتنسيق"؛ الدعوة القديمة المتجددة، وهي دعوة لاقت صدى غير مسبوق، خصوصا من طرف بعض النشطاء الذين بذلوا معهم الكثير من وقتهم من أجل إنجاح مسعاهم النبيل؛ تمخضت عن هذه الخطوة عن ميلاد "لجنة مؤقتة" للم شتات هذه المنظمات والمبادرات، وهو ما حدا في مرحلة من المراحل إلى استقالة مؤسس النضال الأول الشيخ ولد بيب عن مبادرته التي كان يرأسها مفسحا المجال أمام أعضائها للاندماج مع هذه اللجنة المؤقتة التي سميت فيما بعد بـ "حراك لمعلمين" وكان منسقها آنذاك احمودي ولد الصديق ولقد كانت هذه اللجنة تضم 7 أشخاص هم:

 

1- المنسق احمودي ولد الصديق.

2- الرئيس الشيخ ولد بيب.

3- الكاتب عبد الله ولد آلويمين.

4- المهندس أحمد سالم دكله.

5- الصحفية سعداني بنت خيطور.

6- الدكتور جدو ولد البشير.

7- محمد يحيى ولد عبد الرحمن.

 

وبعد مساع لم تعمر طويلا - نجحت على الأقل في تنظيم ندوة تحت يافطة المنظمات والمبادرات، واصطلحنا حينها على تسمية كل رؤساء الحراك "قياديين في حراك لمعلمين" - خرج من هذه اللجنة أربعة أشخاص كل منهم لسببه في فترات متفاوتة! فلقد انقطع عن اللجنة مبكرا الكاتب عبد الله ولد آلويمين ولم يفصح عن أسباب ذلك، سبقه في ذلك الرئيس الشيخ ولد بيب، كما خرجتُ أيضا بدوري بعد ذلك بأشهر عندما تم بحضوري أكثر من مرة شيطنة الأستاذ أحمد ولد السالم ووصفه بأنه خان القضية بمجرد أنه التقى رئيس الجمهورية مع بعض أطر شريحة لمعلمين (من بينهم الوزيرة المحترمة فاطمة فال بنت اصوينع)، وبعد أن تم أمامي أيضا التقليل من دور مؤسس هذا النضال الرئيس الشيخ ولد بيب وتبخيسه دوره الفعّال في إخراج الجميع عن صمتهم! فكنت بذلك الشخص الثالث الذي يخرج من هذه اللجنة (فبراير 2014)، ولم تمض شهور أخرى حتى قدم منسق اللجنة الأستاذ احمودي و لد الصديق استقالته هو الآخر (01-06-2014)، هذا الرجل الذي هُضم أكثر من غيره وكان صاحب البصمة الأكبر في محاولة لمِّ شَتات هذا الجهد النضالي من أجل لمعلمين.

 

لم يكن الخروج أريحيا كما دخول هذه اللجنة، ولم تكن الحماسة التي طبعت تعاطينا مع بعضنا في البداية كما هي عندما خرجنا منها، بل كانت فرصة لاستحواذ الثلاثة المتبقين على اسم هذه اللجنة والاستئثار به وبداية منعرج خطير عماده التخوين والتسفيه وحتى التشهير.

 

منعرج الإقصاء والاختطاف:

لم ير الإخوة الثلاثة المتبقون في هذه اللجنة (المهندس أحمد سالم دكله، الصحفية سعداني بنت خيطور، وواجتهما الدكتور جدو ولد البشير) الأحقية لبقية المنظمات في هذا الاسم الذي كان يراد منه أن يكون مظلة جامعة، بل استأثروا به دون مشاورة أو تنسيق، وقاموا بتغيير كلمات المرور لصفحة الحراك الرسمية التي أنشأها المنسق احمودي ولد الصديق، ولم تفلح معهم المساعي الأخوية لشهور عديدة من بداية هذا الخلاف (فبراير 2014) وحتى نشره في موقع السراج (2 يونيو 2014) وإنما استمرأوا المكابرة والتمادي في ذلك، بل وأخرجوه إلى العلن بالإعلان في المواقع الإلكترونية عن منسق جديد خلفا للمنسق احمودي ولد الصديق لا يمثل بقية المنظمات والمبادرات، وهذا المنسق الجديد هو جدو ولد البشير، وزادوا على ذلك بانتهاج أسلوب التخوين الذي ابتدعوه في تعاطيهم مع الآخرين، وهكذا بدأت طرق التشويه تتوالى تباعا في حق كل رواد هذا الحراك.

 

- لقد كان لقاء الأستاذ أحمد ولد السالم (رئيس منظمة إنصاف الحقوقية) برئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز ضمن وفد من أطر لمعلمين سانحة لا تفوت للنيل منه (يناير/01/2014)، وألصقت به آنذاك تهم منها "عدم الوفاء للقضية" و"البيع"، ولكن الأستاذ أحمد ولد السالم لم يكن قد جنى ثمن البيع هذا ولم يجنه حتى الآن! وإنما أوصل القضية كما كتَب في تصريحه بعد ذلك اللقاء الذي صاحب فيه الوزيرة المحترمة فاطمة فال بنت اصوينع، وكان مدار اللقاء حول القضية، وتخلله طلب هذه الأخيرة تعيينا مستحقا في مؤسسات الدولة (وهذا حقها المطلق لكونها ناشطة سياسية موالية تتطلع للمشاركة في صنع القرار بمؤهلاتها التي تخولها ذلك)، بينما آثر الأستاذ أحمد ولد السالم أن يوصل مظلمة لمعلمين بحيثياتها التي تشمل شيطنتهم اجتماعيا، وغبنهم سياسيا، وتهميشهم اقتصاديا.

 

لم تكف هذه التهمة التي دبّج الزوجان (المهندس أحمد سالم دكله والصحفية سعداني بنت خيطور) في حق الأستاذ أحمد ولد السالم، وإنما عزّزوها بثانية بعد برهة من الزمن ووصموه بأنه "رجل أمن سابق" تدليسا للتشويه المتعمد، واكتفوا بالتفرج ليكتبها بالنيابة عنهما الدكتور جدو ولد البشير ويوقع باسمهما بيانا كمنسق لحراك لمعلمين ويصف الرجل - الذي كان يشغل الأمانة العامة في منظمته إنصاف - بأنه لا علاقة ولا لمنظمته بقضية لمعلمين! كل هذا لأنه كان يشغل وظيفة شرطي في دولة الإمارات العربية المتحدة تماما كما كان يشغلها رئيسهما في حزب تواصل.

 

- لم يكن لرائد النضال الأول الرئيس الشيخ ولد بيب حصانة عن غيره، بل ناله هو الآخر حظه من التسفيه والتتفيه ليروج على أنه لا يصلح لقيادة "مثقفي" شريحة لمعلمين، وإنما ينبغي له ترك الراية لمن هو مؤهل لها أكثر منه!

 

- وكانت استقالتي التي جاءت اعتراضا على هذا الأسلوب الجاحد لكل فضل يعود لهذين الرئيسين سببا في أنه طالني أيضا من التهم الجزافية الكثير والتي كان أقلها الإسهام في تخريب "حراك لمعلمين"!

 

- وهكذا لم يبتعد المنسق السابق الذي كان يرأس هذه اللجنة الأستاذ احمودي ولد الصديق كثيرا عنها حتى طاله شرر هذه التهم التي توزع بالمجان على كل مخالف لهؤلاء الثلاثة وكل من يعترض على طريقتهم الإقصائية والاستحواذ على جهد لم يسهموا في تأسيسه وإنما سعوا بكل جهد لسرقته بعد أن بلغ مبلغه.

 

- ولم يكن لبعض مناضلي لمعلمين القدامى الجدد كالرئيس محمد فال ولد بومبيرد هو الآخر حصانة بالرغم من أنه كان يناضل في حقل لا يقل أهمية عن هذا الحقل؛ ألا وهو القطاع المهني، حيث يعود له الفضل في تأسيس غرفة للصناع التقليديين ويسجل له سبقه هذا الحراك في كتاباته في موقع المذرذره اليوم، وإنما تم استقباله هو الآخر بنصيب من هذه الأساليب الإقصائية الممنهجة ضد كل من يستطيع المشاركة في هذا الحراك!

 

المفسد في ثوب المصلح!

هكذا بدا جليا من خلال السياق كيف أن مسارات نضال "حراك لمعلمين" تطورت إبان عطاء الصقور والحمائم وكيف أن عطاءه وصل مداه في فترة وجيزة، بحكم الظرفية الزمنية الاستثنائية التي ظهر فيها هذا الحراك الذي استفاد فيها من وسائل التواصل الاجتماعي حتى بلغ أوجه، ويظهر كيف بدأ منعرج التقهقر مع أصحاب "دعوة التنسيق وتوحيد الجهود" الذين آثروا اتخاذ أقصر الطرق للهدم والبناء على الأنقاض عبر التسفيه والشيطنة وإلصاق التهم الجزافية بكل فرد من أفراد الحراك المؤثرين.

 

والحقيقة أن الزوجين من أكثر من انضم إلى صفوف نشطاء هذا الحراك مؤهلات علمية وتجربة نضالية وبراعة تخطيطية، ولكنهما - وللأسف - لم يستخدما هذه الطاقات التي كان يجب أن تدفع بالحراك إلى الأمام في جانبها الإيجابي وإنما بطرقها السلبية من خلال الشخص الذي دفعا به في الواجهة (الدكتور جدو ولد البشير)، استخدما في ذلك طرقا أقل ما يقال عنها أنها حيل أمنية، وطرق تفكيكية، وخطط تخريبية.

 

وهكذا تقهقر المسار النضالي الذي كان يتقدم بوتيرة تصاعدية؛ فلعبوا بذلك دور التهم التي أناطوها بكل رواد الحراك، ولم يستغلوا وسائل الإعلام المتاحة لهم في حلحلة القضية وإنما استخدموها وسيلة للتشهير من خلال بيانات اعتراضية تترصد كل إنجاز أو نشاط لبقية النشطاء، وتطور الأمر حتى وصل إلى الخروج في مؤتمرات صحفية للتشهير بمؤسس النضال الأول واعتباره شخصا منتحلا لصفة الانتماء للحراك ولا يحق له تمثيله بأي حال، كما شملت تهمة الانتحال شخصي الضعيف!

 

في المحصلة لم يكن ليسلم أي حراك من مثل هذه المطبات، ولم يكن ليستمر من دون منغصات، وبحسبنا أنها سنة بشرية لا استثناء فيها، وعزاؤنا أن لهذه القضية أفذاذ يؤمنون بها حدَّ الاستماتة ويبذلون فيها مهجهم دون أن يتركوها عرضة للسرقة والاختطاف، ولْيستمر النضال من أجل وطنٍ يسعُ الجميع.