قراءة في رحلة الرئيس نحو تيرس الزمور

اثنين, 27/02/2017 - 16:00
حمين سيدي أمعيبس / كاتب صحفي/ حقوقي

للبدويين الرحل طقوس و عادات ضاربة في القدم فكلما امتزجوا بصخب المدينة و مشاكل الحياة اليومية و أتعبت كاهلهم المشاكل و الضغوطات قرروا الرحيل لاستنشاق الهواء الطلق و تعاطي كؤوس الشاي بعيدا عن الضجيج، ويحاول بعض الكتاب و المدونين اليوم خصوصا في ظل عرض التعديلات الدستورية علي البرلمان و إمكانية مصادقة الأخير علي مقترح عرضها عليه دون اللجوء للاستفتاء شعبي قد يكلف الدولة جهودا إضافية و غير مضمونة إطلاقا في ظل تنامي الرفض المعلن من طرف الشارع و القوي السياسية المعارضة وفشل قادة الموالاة في إقناع الشارع بها حتي أن بعضهم يشارك فعليا في إفشالها خوفا علي مصالحه، تحاول هذه الأطراف إذن تسويق رحلة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز علي أنه هروب نحو البادية من أجل ترتيب إجراءات خلافته في السلطة و محاولة البعض تسمية شخصيات يراها أنسب لقيادة موريتانيا بعد محمد ولد عبد العزيز ( ولد الغزواني، ولد باهية و مولاي ولد محمد لغظف) ، و إن كان الطرح منطقيا في جوهره إلا أن ملامح خليفة الرئيس قد تحددت حتي قبل الدخول في الحوار مع بعض أحزاب المعارضة، و أن   Le jeu du chat et de la souris مع المعارضة الغير محاورة لازال مفتوحا علي كل الاحتمالات حتي إشعار جديد، و أن الخليفة المنتظر تحدد ملامحه و نوعيته و توجهاته ما ستفرزه النقاشات السرية التي يجريها الرجل مع بعض خصومه السياسيين عن بعد و عن قرب حيث أثبتت المعطيات الميدانية أنهم أكثر ليونة في ظل إصرار الرجل علي تمرير أجندته الانتخابية حتي لو كلفه ذلك العبث بكرسي الرئاسة و ترك المجال لشخص آخر لن يكون أكثر ليونة في التعاطي مع المعارضة خصوصا أن لمسات الرئيس المنصرف ستبقي حاضرة في القرارات الكبرى للبلد حتي ومن خارج دائرة الضوء، حيث أن الأغلبية الداعمة لرئيس و التي وقفت معه قبل دخوله القصر الرمادي تخاف من انقلاب الرجل عليها، و إستبادلها بنخبة جديدة من البرلمانيين و أعضاء المجالس المحلية الذين سيكون لهم حضورا قويا في الساحة السياسية بعد التعديلات الدستورية و إجراء الانتخابات البرلمانية و المجالس المحلية التي يري الرجل فيها تحدي لمجلس شيوخ أثقل كاهل الدولة و خلف إشكالية دستورية لازالت تضفي بظلالها علي الساحة السياسية خصوصا وسط تنامي التذمر الشعبي من رئيس مجلس الشيوخ و إعتياره مشاكسا و خوف ساكنة القصر الرئاسي من عجز دستوري قد يقود الرجل لقيادة البلد و هو ما سيضيع علي حكام موريتانيا من جنرالات التحكم في زمام اللعبة، الأغلبية الحاكمة و المعارضة المحاورة و تلك الرافضة ثلاثي تخيفه هجرة محمد ولد عبد العزيز نحو تيرس الزمور صبيحة اليوم الموالي لحفل العشاء الذي نظمه و الذي أراد من خلاله توجيه رسالة لنوابه و شيوخه لم يفهموها أن آخر عهدهم بالقصر الرمادي سيكون هذه الليلة بعد التصريحات الحادة للسيدة الأولي و التي وصفتهم بأنهم منافقين و سماسرة  و المتابع لمقابلته مع قناة أفرنس 24 و التي حرك فيها قدميه أكثر من مرة في إشارة واضحة أنه سيتحرك لإحداث مفاجئة قد ترتب في "أكواطين" تيرس الزمور، وفي حالة ما لجأ الرجل لشارع المهمش و الشباب المصادر و الحريات المنتهكة و أعترف بمشاكل حقوقية كبري كالعبودية و الإرث الإنساني وقدم المتورطين فيها للعدالة و فتح حوار مجتمعي مبني علي المصالحة و المصارحة و رفض مشاركة الأحزاب السياسية فيه و نظمه بعيدا عن الأضواء و ألتزم فيه بتمييز إيجابي نحو الفئات المظلومة وأخذ القرار باستقلالية القضاء ومراجعة كل المشاكل المجتمعية فإنه بذلك يؤسس للبقاء في السلطة لمأمورية ثالثة حتي يتمكن من تحقيق أهدافه و طموحاته و توجهاته التي يضعها رهن إشارة الإنسان الموريتاني، وحسب قراءة متأنية للوضع فإن حضور الحركات الحقوقية يربك الحالة السياسية للبلد خصوصا وسط تنامي رفض معلن من هذه الحركات لظروف التي يعيشها المواطن و تعتبر الحركات الحقوقية بمختلف أنواعها و تشكيلاتها أقرب للمواطنين من أحزاب سياسية لا تحمل سوي تراخيصها ومقرات مهجورة في بعض أنحاء المقاطعات فلا خطاب لها و لا مشروعا مجتمعي عندها و ما تفاوض عليه هو المأموريات و التعيين و الترسيم و الدعم ........الخ، الرئيس رغم صلابته وقوة عزيمته وقدرته علي رمي مخرجات الحوار عرض الحائط قادر أيضا علي تحويل البوصلة لصالحه خصوصا مع خلافات داخل الأغلبية و فشل العديد من المسئولين الكبار في تسوية مشاكل ذات علاقة بحياة المواطن و الانتكاسة التي شهدها المجلس الأعلى للشباب الذي كان الرئيس يري فيه مهدئا مغناطيسيا للمد الشبابي الجارف،  ثم وجود  الأصوات الشابة داخل المعارضة الغير محاورة المطالبة بالدخول في حوار جاد مع السلطة و إن كانت هذه الأصوات مبحوحة بسبب الديكتاتورية الممارسة ضمن هذه التشكيلات الحزبية المنهارة إلا أن رائحتها بدأت تشتم من بعيد، المواطن الذي لا ينتمي لحزب ولا لحركة سياسية و يعيش حالة انتظار مع أنه قد يكون الأقرب لقبول بقاء محمد ولد عبد العزيز في السلطة خصوصا أن الأخير قد أستطاع في فترة قياسية تشييد العديد من البني التحية التي تلامس حياة المواطن و هذا ما يراه المواطن إيجابيا حتي و إن كان الرجل قد أهمل جوانب مهمة و ترك ثقافة الفساد و المحسوبية و الظلم تنهك كاهل الدولة إلا أنه قادر علي مراجعة الذاكرة و إعلان مصالحة مع شعبه، في وقت تحاول معارضة خارجية بزعامة "محمد ولد بوعماتو و المصطفي لمام الشافعي" الاستفادة نسبيا من هشاشة من خذلتهم الدولة من أجل الحصول علي دعم و تمرير أجندتهم التي تتمحور في الأساس في تصفية حسابات معلنة مع الرجل و أركان حكمه، في المقابل يوجد خصما آخر قد يكون ولد عبد العزيز بحاجة لشوط إضافي حتي لا يلجأ لركلات الجزاء معه وهو الرئيس الأسبق " أعل ولد محمد فال" الذي أكد ولد عبد العزيز أن لعبه في الوقت بدل الضائع أصبح مسألة وقت و أن النظر في ملفاته يتطلب الخروج من الأزمة الحالية و أهل مكة أدري بشعابها، خصوصا أن العقيد أعل ولد محمد فال أظهر نوعا من المشاكسة وعدم الأدب مع محمد ولد عبد العزيز ووصفه في أكثر من مرة بأنه مختطف السلطة و أن البلاد تعيش تبعات تهوره و قد تكشف الأيام القادمة عن دراسة متأنية لملفاته و ملفات رجال كبار في كل قطاعات الدولة و خصوصا الأمنية يعملون لصالحه، و يبقي الاحتمال الذي يطرح نفسه حاليا هو أن الخريطة السياسية للبلد ستشهد تغيرا نوعيا وراديكاليا يتطلب استحداث محاورين جدد و أجندة جديدة قد تكون أكثر سخونة من تلك المطروحة في الحوارات الماضية و التي تمحورت في جلها حول مصالح شخصية ضيقة و آنية وقد تكون موجة الإرهاصات التي بدأت تشهدها بعض الحركات الحقوقية و  الأحزاب السياسية بداية جديدة لمعركة الرابح فيها الأكبر الرئيس محمد ولد عبد العزيز و المواطن و القوي السياسية الفعلية التي تريد موريتانيا بدون عنصرية بدون ظلم بدون نهب بدون زبونيه بدون رشوة بدون مديونية موريتانيا يشعر فيها المواطن بغض النظر عن لونه و عرقه ولغته و انتمائه السياسي بأنه مواطن له حقوق مصانة قانونيا وواجبات يطلع بها خدمة لوطنه لا عشيرته ولا قبيلته ولا جهته. 

بقلم : حمين سيدي أمعيبس
كاتب صحفي/حقوقي