فالاغتصاب هنالك أشكال، وأجناس، ولا نملك فكرا دقيقا عن نوعه، وجنسه، ولكنه غالبا لا ينحصر في زاوية دون أخرى، لأنه يضع كل العمائم، ويلبس كافة العباءات، ويسكن القصور، والأكواخ، ولن نتحدث عن اغتصاب الأراضي (الكزرة)، ولا عن اغتصاب السلطة (الانقلابات)، ولكن عن اغتصاب الفتيات، والفتيان، عن ذلك الكابوس تحديدا…
ففي الآونة الأخيرة طفت على السطح أرقام، تحدثت عن ثلاثمائة حالة اغتصاب، ضحاياها إناث بالدرجة الأولى، وهي العادة، وذكور بالدرجة الثانية، وهي المستجدات الخطيرة، ولكن بتأمل بسيط يمكن لأي موريتاني عادي، أن لا يثق في تلك المقاربات إلا استئناسا، وأعتقد أن أصحاب تلك الأرقام يعون ذلك، لأن الإغتصاب في واقع الأمر لا يمكن تخيل حجمه الحقيقي لا سيما في موريتانيا، في مجتمع الشاي، والحفلات المفتوحة، والفخامة المتكلفة، والبؤس القاتل، ومحاكاة المستعمر، وأفلام بوليوود، وهوليوود، وفوضى الاختلاط...
فلمعلوماتنا يتطلب القانون لحصول الإغتصاب الدخول في علاقة جنسية بالقوة، والعنف، يتقاطع مسرحها مع ما يحدث لأرنب صغير على يد نمر جائع، أو كلب مسعور في شيء ما، حيث هنالك مغتصب يفرض على الطرف الأضعف الخضوع لتلك العلاقة الحميمية اللاحميمية، فيعتدي على كرامته، ويمرغ أنف شرفه بالتراب قسريا، وقهريا، وهو ما لا يحدث غالبا في جل قضايا الإغتصاب في موريتانيا، إذ غالبا ما يكون هنالك تعارف، وصداقة، وعلاقة غير شرعية بين شاب وشابة، وفي مرحلة ما، يأتي أحد أفراد أسرة الفتاة ليقطع الخط، ويتوعد الشاب بالثبور، وعظائم الأمور إن لم يبتعد، وهو ما صرح لنا به معظم نزلاء بيلا القاصرين في مقابلة سابقة معهم، وفي حالة عدم ابتعاد الشاب ترفع قضية اغتصاب، ولأن الأدلة القانونية لا تتوافر بكثرة، يلجأ القضاة إلى الحبس الاحتياطي في انتظار المجهول، علما أن المدعي غالبا لا يعي أنه الحلقة الأضعف، فهو لم يربي، ولم يهذب، ومستواه المادي يجعله في قاع الخندق، النابع من حالة الضرورة، التي تعاني منها جل الأسر الفقيرة، المعدمة، حيث يتحرش بالفقيرات في أكثر الأحيان، يذهب الوالد يطارد خبزة، وتذهب الأم في مطاردة برميل ماء، وتبقى الطفلة مع الضيوف، المجهولين أحيانا، أو تخرج إلى القصر الجانحين، المتسربين مثلها من المدرسة، والملتقين معها في طول وقت الفراغ أو أو أو…، وحتى لو تمكن الأب متوسط الدخل من تسجيل ابنته في مدرسة، فستلعب معه توم وجيري، يوصلها، فتختبئ، ويذهب، فتخرج، ولحسن حظ مخططاتها ليست الوحيدة، وأبوها نظرا لتدني الأوضاع المادية في نواكشوط سينسى وقت خروجها، هذا إن كان يأبه به أصلا...، وستقيم علاقتها على راحتها، مواعيد، فنظرات، فلقاءات، وفي خضم اشتعالات الهوى يحصل أحيانا ما لا تحمد عقباه، فهي غضة طرية، وأحبابها صغار ساذجون...
وفي حالة كهذه التالية تختلط الأوراق غالبا بين الزنا، والاغتصاب في حالة حصول شيء، إذ أن جل ما يقوم به طرفا العلاقة يتم بالتراضي، وهو ما يجعل الإغتصاب مستبعدا بالنسبة لنا، ويذكر أن رضي المجني عليه هو سبب من أسباب إباحة الفعل في فرنسا وغيرها، وتتحفظ عليه القوانين الإسلامية، كما أن التراضي الذي هو ركن مهم من أركان العقد في القانون المدني، وهو القانون الذي آلت إليه جريمة الزنا في القانون الفرنسي، بعدما كانت خاضعة للقانون الجنائي، يجعل كل زنا برضا الطرفين، شريطة البلوغ مباحا في فرنسا، وإذا كان تحرشا فلا يستلزم في النهاية غير تعويض…
أما عندنا فالزنا جريمة قائمة بذاتها، بشكلها المعروف في شرع الله، والاغتصاب أيضا، والفرق الأساس بينهما هو رضا المجني عليه كما أسلفنا، ولسنا بحاجة للخوض في ما هو واضح في القانون، الذي يحيل في مثل هذه القضايا تحديدا، وغيرها إلى الفقه المالكي…
وفي إطار التناغم الغريب بين الزنا، والاغتصاب يمكن الحديث عما يسميه علماء الإجرام بالرقم الأسود، الذي يظل طي النسيان، وهو الفرق بين ما وصل المحاكم من قضايا (الأرقام المسجلة للجريمة)، وعدد الجرائم الكلي (الأرقام الحقيقية للجريمة)، لأن الجريمة في جوانب كثيرة منها لا تصل كلها للمحاكم، وفي موريتانيا كغيرها من الدول هناك وفرة في الجرائم، التي ظلت بمنأى عن العدالة، والتي وصلتها، وصلتها وكفى، فليست لدى العدالة حلول سحرية، وهي جزء منا، سمراء شأننا، وفيها فضفاضات، وشاي يشرب…
ولنعد نجد عندنا هناك أسر لا تسمح لها أخلاقها بالنظر في جروحها، و فتيات يقفن على الشارع، يظهرن راقيات بفعل المساحيق، ولكن أرجلهن متشققة، وهن من ذوات الكعب الأسود-كما يقول علماء الإجرام-، ويحملن حقائب، في العوالم الأخرى يكون في نلك الحقائب ثياب نوم خفيفة، وفي موريتانيا لا شيء، وحين تصل عربة ما يصعدن، وبعضهن يغتصبن، فيلذن بالصمت، لأنهن لو تحدثن لسألهن الجميع، ولماذا ذهبتن؟ ومن أرسلكن؟…إنها قضايا تبرم بليل، حيث تلمع أعين السائق كنصل السكين، وتصعد الضحية تحت تأثير الطيش والجنون، وهي تطبق ما يسمى في علم الإجرام "بدعارة الحاجة"، ابتدائيا أو احترافيا، تصعد، وتبدأ تتشرط في ألوان الموسيقى، ولا تنسى طلب الحليب، وقرعة ماء، ما أبخس الكرامة !وقد تقترح المكان الموعود، تنويش، الشاطئ، طريق روصو، وكزرة أهل افلان، ودار الخلطة ذوك، أو سنبقى في السيارة يا أسفاه على يوسف…
وفي نهاية المطاف، ومهما كان الخطأ جسيما، فلن يصل إلى عتبات السجن غير حفنة من أبناء الفقراء، هي كباش الفداء لإخفاء الحقيقة، فابنة فلان لن تذهب أعانه الله عليها، وابن فلان لأنه برغم الرغم بريء...، وهو ما ينافي العدالة، المبنية على المساواة، وإحقاق الحق، لأنه ممارسات جاهلية، يميز فيها بين علقمة الفحل، وشرا ذمة القوم، بين السيادة، والعبودية، وعلى فكرة يوم زرت بيلا –وهذا مثبت في رسالة ماستر بعنوان " الأحداث والإجراءات البديلة عن الحبس في موريتانيا"- كان كل النزلاء من السود، وهو بطبيعة الحال حال غير باعث على الارتياح، ولم يقنعني أن بني جلدي لا يخطئون…
إنها العدالة التي يرفضها الإسلام، يقام الحد على الضعيف، ويترك القوي، وتنافي قوله"ص":" والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"…
إنها عدالة تشبه أنياب الأسد تنال من كل الحيوانات، وتظل تنزلق على جسد فرس النهر، وفي النهاية تألفه ويألفها، ولا تعود للمحاولة في أقصى حالات الجوع، لأن جسد فرس النهر خطر على الأنياب، ولا يستطيع إلا الفولاذ وليس كل فولاذ النيل منه…
وهناك نتائج وخيمة على الأجنة، لها علاقة بالجو العام لهذا السرد، ويُتحدث عنها بين الفينة والأخرى، فتسمع أن الطبيب الفلاني أخصائي في شد البطن، في مسائل الحياة والموت، واستعمال الأسلحة الخفية لإبادة، وإجهاض أجيال، اغتصبت أمهاتها، أو فعلت بإرادتها ما استلزم الحمل، وكان آباؤهن بالمرصاد –أعاذنا الله- لبراءات كثيرة…
وفي الليل تُُدخل المقابر على حين غفلة من أهلها، إذا كان الجنين المجهض بلغ من الكبر في البطن عتيا، إن صحت العبارة، وهنا يرى النائم فيما يرى ما لا يفهمه، وفي الصباح يقال خرج الصالحون البارحة في المقبرة، وربما اختلط الأمر على أهل الخبرة، فظنوا أن اللواتي دخلن كن نساء، يردن قطع غيار بشرية، ورماد موتى لساحر سيحل مشكلة "أتبعريص" قيس على ليلى تجنبا لاستخدام أسماء، ربما اعتقد ذووها أنهم مقصدي…
وفي نهاية المطاف فليسامحني من اغتصبوا ومن اغتصبن، فبشكل كلي اختلطت الأوراق، وهبت رياح قوية قلبت كل شيء، وتشابهت الظباء على خداش، فأنا لا أريد التقليل من أهمية حقوق المغتصبين، ولا إظهار المغتصب عملاقا، وكلي أمل أن يوسعه الله إطراقا-كما يستحق…
وسيبقى من حسن الحظ أن الرجل الموريتاني حتى الساعة-وأنا أرسل المقال للنشر- لا يتسلم من حماه شهادة بكارة أبدا، وحماه ليس ملزما تقليدا عل الأقل بإعادة نقود الزوج، والزوج جزاه الله خيرا لا يطالب بها، وهو أمر محمود، ولكنه في نفس الوقت يشجع سخرية الإغتصاب من المجتمع…
ومن المعروف أن البكارة مما يتأثر بالعنف، والاغتصاب، الذين يؤديان إلى فساد العذرية، وهو ما يجعل الزوج القادم أمام أمرين، أحدهما الصبر، والأناة، والحلم، والثاني رد الزوجة للعيب، وهو ما يمكن أن يفسد العقد المدني للزواج…
وبالنسبة لاغتصاب الذكور، وهو جديد على موريتانيا فيما يبدو هو نتاج لعوامل عدة، منها سوء التدريبات العسكرية، التي كانت تحقن المتدربين بحقن تذكي شرارة الشهوة، وهم في جو من الذكور، وغير متزوجين، والمستوى الثقافي ضئيل، وأنسنة الجيش تنأى من المضارب حتى بعد الساعة، وجل التدريب على القسوة، والظلام، بالإضافة إلى أن السجون، يكثر فيها ما يسمى "بالجنسية المثلية"، وهي مابين اللواط، والسحاق، وهي ظاهرة تدرس عالميا حاليا في علم الإجرام، كما أن العولمة بدأت تحمل إلينا أسوأ ما فيها، من حقوق الجنس الثالث، ولا شك أن الثقافات التي بدأت تدخل عن طريق الشاشات، والانترنت تلعب هي الأخرى دورا في وجود هذا النوع من الإغتصاب، بالإضافة للسياحة الجنسية، الوافدة الجديدة، وحتى الساعة الحالة الوحيدة التي لم تسجل لدى محكمة-حسب علمي، هي اغتصاب الأنثى لأنثى، وذلك ليس دليلا على غيابها…
وبالإضافة للأسباب أعلاه، علينا أن لا ننسى أن الجنس الثالث في موريتانيا حتى الآن آمن، ويتكاثر، وخوف لم يعرفه في الماضي لا أعتقد أنه سيعرفه في المسقبل المرئي، والقريب، وهو يلعب دورا مهما في الفساد العام، فهو صديق للرجل، الذي لا يستطيع البحث عن زوجة، أو مومس كما هو الغالب إلا به، كما أنه لا يقل أهمية عن حقائب السيدات اليدوية، ففي الحقائب نقودهن، وفي قلوب المخنثين أسرارهن…
تلك همسات في أذنك، فخف على حريمك، ولنغير سلوكنا، لا تفكر في الرحيل، فخلف الحدود ما هو أسوأ، سياحة جنسية حقيقية، ونساء يضربن ليل نهار، وكثيرا ما حدثنا أساتذة علم الإجرام، عن خليجيين و أفارقة في لياليهم الخضراء، ذهبوا لأوروبا بحثا عن شقروات، وفي طريق عودتهم ثرثروا تفاخرا، وتبجحا عبثيا، وتحدثوا عن الشقراء فلانة، وأخريات، وفي حقيقة الأمر هو أشقر، وآخرون لا غير، فالخبثاء في العوالم المتقدمة، حولوا ميشيل إلى ميشيلين، وصاروا يضحكون به على أباطرة العوالم الثالثة، ولا شك سمعت بالمتحولين، وأهديك مطلع قصيدتي"ضمير الحروف":
ابك حتما لن يفيـــــــد البــكاء وارتحل ما في الرحيل عزاء
قدر أن يوسـعوا الجرح فتحا قدر مــــــــــا صنعوا وقضاء
كلهم يوم الكــــــــــلام رجال كلهم يوم الفـــــــــــعال نساء
والسلام.